عبدالوهاب الافندي و الدولة الاسلامية- Abdelwahab El-Affendi and the Islamic State

  مصطفي عبدالعزيز البطل      

mustafabatal@msn.com

                                                         

في مقتبل العام ١٩٩٠ افترعت الانقاذ مشروعا ضخما اطلقت عليه اسم  مشروع تثوير و تطوير الخدمة العامة، وقد عاش ذلك المشروع التثويري التطويري ما كتب الله له من عمر ثم تضعضع و تهاوي و اندثر ليلحق بمشروعات اخري قامت تحت الرايات الانقاذية في سنوات الانقلاب الاولي ثم ماتت بالسكتة القلبية وهي بعد في ميعة الصبا.

 

و كان وزير شئون الرئاسة المقدم، عهدذاك، الطيب ابراهيم محمد خير الذي ذاع صيته و اشتهر بلقبه المرعب “الطيب سيخة” هو المشرف علي ذلك المشروع. و قد استدعاني الوزير المقدم الطيب ذات صباح الي مكتبه و انبأني، في حضور الامين العام لمجلس الوزراء، بأنه بعد ان عجم كنانته من كادرات الرئاسة قرر ان يسند اليّ مهمة قيادية في ادارة ذلك المشروع العملاق الذي قال لي أن الثورة تعقد عليه آمالاً عراضاً.  و لكن الوزير الثائراستدار بعد ذلك دورة كاملة  فبدل رأيه تبديلا – اذ أنار الله بصيرته  فتبين له انني لا اصلح للمهام الكبار – فاستصدر القرار الجمهوري رقم ١٤٣٤ لسنة ١٩٩٠ الصادر عن رئيس مجلس قيادة الثورة، الذي قذف بي (القرار و ليس الرئيس) الي خارج اسوار مبني الرئاسة، وكان الامين العام للمجلس قد سلمني نسخة من القرار الجمهوري لا زلت احتفظ  بها بغية ان اطلع عليها ابنائي يوما ما لعلهم يحسون بالزهو اذ يعلمون ان اباهم لم يكن من غمار الناس بل كان رجلا عِتِلا جهبذا تصدر في شأنه المراسيم الجمهورية مدموغة بخاتم السلطان و ممهورة بتوقيع رأس الدولة!

و اذكر في حوالي ذلك الزمان من بدايات العام  ١٩٩١ انني جلست اتصفح جريدة “السودان الحديث”  فاذا بي اجد مقالا للدكتور عبد الوهاب الافندي، احد الكوادر الفكرية الفاعلة في الحركة الاسلامية و الوزير المفوض وقتذاك بسفارة السودان بلندن، يتعرض فيه بنقد لاذع ممض لذات مشروع تطوير و تثوير الخدمة العامة و يصف المشروع و مناهجه و اساليب و ممارسات القائمين عليه باوصاف غاية في القسوة، ثم اختتم الافندي بالقول ان الطريق الي الدولة الاسلامية، التي هي بعض اشواق هذه الامة، لا تعبّده مثل تلك المشروعات و الممارسات التي ارتبطت بها و التي فصلها مقاله. و قد كانت دهشتي – و غيري – عظيمة ان يصدر مثل هذا الحديث، و الانقاذ في ذروة عنفوانها، عن شخص اوكلت اليه السلطة الحاكمة مهمة تحسين صورتها و تسويق نظامها في المحافل الدولية. ثم انني، و هذا هو الاهم في مقامنا هذا، تنبهت في زمن مبكرالي انشغال الافندي بفكرة الدولة الاسلامية انشغالا شاملا بحيث انه كان يحاكم كل سياسات الانقلاب الجبهوي الاسلامي ومناهجه و ممارساته الشاخصة في الواقع والعمل الي مثال الدولة الاسلامية المرتجاه في الفكر والنظر. وما اظن انه كان في ذلك نسيج وحده فقد عاظلت تلك الاشواق و الهموم كثيرا من رفقاء دربه و عصبته الاقربين. بيد ان الافندي، الذي وضع الله بين كتفيه رأسا قلقا، اختار ان يترجل من قطار السلطة في ذلك الزمن البكير و كرّ عائدا، يحمل في يده اليمني مصباح ديوجين، الي سكك البحث والاستقصاء والمثاقفة والمدافعة الفكرية.  و قد كدح عبدالوهاب الي أنموذج الدولة الاسلامية كدحا حتي اذا بدا له انه لاقاه حمل عصارة فكره فصبه صبا في كتابه ( الدولة الاسلامية: من يحتاجها؟ )، و هو الكتاب الذي صدرت منه  طبعة جديدة الاسبوع الماضي عن مؤسسة ماليزيا ثنك تانك  و كانت طبعتها الاولي قد صدرت عن دار غراي سيل البريطانية. والفضل من بعد الله للصديق الاكرم الاستاذ احمد عيسي عوض، مدير مكتب رئيس الوزراء الصومالي السابق و الخبير بهيئة الامم المتحدة، ان لفت انتباهي الي المناقشات الدائرة علي صفحات بعض الصحف الاوربية و بعض المنابر الاخري في دول مثل ماليزيا و تركيا و الباكستان واندونيسيا حول الطبعة الثانية من كتاب الافندي.  و قد عنّ لي في يومي هذا ان اطوف بك، ايها القارئ الكريم، طوافا عابرا علي بعض ما وقعت عليه.  و لعل اصلح مبتدأ لطوافنا هذا ان اوافيك بملخص عام لفصول الكتاب  ثم نعرج معا لننظر في مقدمة المؤلف للطبعة الثانية وهي مقدمة غنية دسمة جاءت في نحو من ثلاثين صفحة، و ذلك بالاضافة الي ملحقين اضافهما المؤلف، الاول يرُد فيه علي مراجعة واستعراض تحليلي للدكتور انيس احمد كان الاخير قد نشره في دورية كتاب العالم الاسلامي، والملحق الثاني يشتمل علي معالجة منفصلة لموضوع “الخلافة في الاسلام”.

هذا البناء النقدي للفكر السياسي و نظرية الدولة الاسلامية يأخذ شكل حوار ثلاثي يمثل الغرب احد اضلاعه، بينما يشكل الفكر الاسلامي التقليدي و الفكر الذي رفده مفكرو القرن العشرين ضلعيه الاخرين. يناقش الفصل الاول النظرية السياسية الحديثة حول نشأة الدولة وتطورها ووصولها ذروتها في نموذج الدولة الديمقراطية المعاصرة، و يتناول الفصل الثاني نشؤ و تطور الفكر السياسي الاسلامي و تجارب الممارسة التطبيقية منذ عهد الرسول الكريم حتي عصرنا الحاضر. ثم يعمد المؤلف بعد ذلك، في فصله الثالث، الي رصد و متابعة مسار الحوار و الجدل حول الدولة الاسلامية منذ القضاء علي الخلافة الاسلامية في تركيا العثمانية عام ١٩٢٤ وحتي قيام الجمهورية الاسلامية في ايران عام ١٩٧٩، كما يعرض الي رؤي و تصورات الفكر الاسلامي الحديث للدولة الاسلامية-المثال.  و يخصص الكتاب فصله الرابع كاملا لمناقشة موقف و موقع المسلمين من النظام الدولي الجديد.  و يخلص الافندي من تحليله لكل تلك العناصر الي ان الفكر الاسلامي  في سعيه الحثيث لوصل حيواة المسلمين بقيم السماء و ترسم مثال الدولة الاسلامية قد تنكب جادة الطريق بسبب من وقوعه في خطل التفسيرات الفطيرة والمتعسفة التي حالت بينه و بين تلمس المعاني الحقيقة للاسلام فكرا و عملا.  و زبدة البحث ان جميع النماذج و التطبيقات و التجارب التي عرفها المسلمون بما فيها النموذج السوداني، فشلت في الاقتراب من نموذج الخلافة الراشدة و استلهام مضامينها، تماما كما اخفقت في احتذاء تجارب الديمقراطيات الحديثة وأخذها بحقها، فما طالت تلك النماذج و شعوبها لا بلح الشام و لا عنب اليمن. و لا يتردد الافندي بعد ذلك لحظة واحدة في المجاهرة بالقول بأن الخلافة الراشدة قد مضت لشأنها و انه حري باؤلئك الذين لا زالت تداعبهم اشواق دولة اسلامية علي غرارها ان يدركوا بأن البديل الحقيقي لها هو الديمقراطية الحديثة. و عند الافندي فان من اكبر العقبات التي واجهت وتواجه نماذج وتطبيقات الاسلامين التقليدي و الحديث هو ميل الشعوب الي عقد آمال كبري علي ” الحاكم ” عينا و رمزا و استمزاجها و استنامتها لتصورات مؤداها ان الحاكم، في دولة اسلامية حديثة مرتجاه، يمكن بوجه من الوجوه ان ينهض بالدور الذي نهض به الرسول (ص) في دولة المدينة، و هي تصورات تفارق الواقع مفارقة جسيمة اذ انتصبت الادلة شاهقة شاخصة علي طول تجارب المسلمين مع حاكميهم – تاريخيا و جغرافيا- علي ان السمات الغالبة التي طبعت هؤلاء الحكام في الواقع المرصود هي الفساد و فقدان الكفاءة القيادية والافتقار الي مهارات الحكم الرشيد.  وعلي الوجه المضاد، الشديد المخالفة، فان الملمح الرئيس في التقاليد الراسخة للديمقراطيات الحديثة، كما تقدمها الدول الغربية وعدد من الديمقراطيات الصاعدة، هو تأسيس العلاقة مع الحاكم علي الشك الابتدائي و هشاشة الثقة و التعامل معه كمشتبه به  ومن ثم اخضاعه الي حزمة من الضوابط الدستورية و القانونية و ترسانات مصفوفة من الرقابة السياسية و المدنية.  و يري الافندي الضوء في نهاية النفق متمثلا في ديمقراطية ليبرالية تتيح لمواطنيها تفعيل القيم والمعاني الاسلامية بغير حجر او قهر، و الركن الاساس في هذا النموذج هو: الحرية.

و كانت الطبعة الاولي من هذا العمل قد وجدت اصداء واسعة في الحقول الاكاديمية و المنابر العامة في اوربا والولايات المتحدة و عدد من الدول الاسيوية.  و بينما يرحب الافندي بردود الفعل الموجبة بين الاوساط العلمية النخبوية في اوربا و غيرها في آسيا فانه، في مقدمته للطبعة الثانية، لا يكاد يخفي مشاعر الدهشة لان الكتاب انما استهدف اساسا و في المكان الاول الكادرات الاسلامية لا سيما في بعض الدوائر القيادية التي التمس نصرتها من خلال هذا العمل بتصويب الضوء علي التخاليط والاغاليط حول اصول و مفاهيم و سير تواضع البعض علي انها من ثوابت الاسلام، ولكن اصحاب الافندي كانوا عنه ” في شغلٍ فاكهون “.  و يري المؤلف ان تجربة تسنم اول حركة سنية حديثة، وهي الحركة الاسلامية السودانية، للسلطة في بلد اسلامي، انتهت الي كارثة محققة جراء غلبة الروح  التسيطرية السلطوية و التنكر للديمقراطية. و يقرر ان الحركة الاسلامية السودانية أولي من غيرها باللوم المغلظ كونها، دون غيرها في انحاء العالم الاسلامي، الاكثر معايشة و تجربة و معرفة بالمناخ الديمقراطي وخصائصه و مزاياه.  ثم ان الامر – مهما يكن – لا يختلف في حالات اخري ظلت معها الحركات الاسلامية في رباط دائم علي جبهات المعارضة  كنموذج الاخوان المسلمين في مصر.  فبينما يمتنع عقلا لوم اسلاميو مصر علي غياب الديمقراطية الرشيدة في ارض الكنانة، اذ انهم في واقع الامر ضحايا الحكم الشمولي لا سدنته، الا انه ينبغي، بحسب الافندي، ان نتذكر دائما انه حتي الضحايا في هذا الكون لهم خياراتهم  و يتعين عليهم ادراك ان هذه الخيارات تترتب عليها نتائج و عقابيل. وربما تزيد قيمة و فاعلية هذه الخيارات بالضرورة اضعافا مضاعفة عندما يشكل هؤلاء القوة المعارضة الرئيسية في البلاد، و آية ذلك ان الحراك السياسي  لحركة  الاخوان في مصر و تجلياته ومظاهره كما تعكسها ديناميات العمل العام المنظم تتولد عنه تلقائيا و بالضرورة معطيات حاسمة في تشكيل المشهد السياسي الوطني باكمله. ولكن  التنظيم التاريخي لاسلاميي مصر قعد عن واجب التصدي لدورٍ ريادي قائد في التمهيد للتحول الديمقراطي. و يعود ذلك الي اخفاقه في بناء جبهة مشتركة من الاحزاب و القوي السياسية الديمقراطية ذات الوزن المقدّر كان من الممكن ان تمارس وجودا نضاليا عميق الاثر باتجاه زحزحة الحكم السلطوي، ويرجع هذا العجز الي ان القوي المعارضة الموازية لا تستأمنها  فترتاب في نواياها و تتحسب لمكرها. و كان من نتاج هذا الواقع ان نجاح  حركة الاسلاميين النسبي عبر صناديق الاقتراع في الانتخابات النيابية الاخيرة اصبح وبالا عليها اذ ضاعف من استهداف النظام لها بعد ان قدمت له علي طبق من ذهب ” فزّاعة ” التخويف من نواياها و مخططاتها بعيدة المدي. كما ان الحركة نفسها، من ناحية اخري، باتت اكثر ترددا و تهيبا  فتقاصرت عن السعي الجاد باتجاه تسلم السلطة خشية ردود الفعل الدولية ان هي فعلت.  و كما منح النموذج الاسلامي المصري للحاكم الزاد والعتاد للتمترس تحت الوية الشمولية، فقد قدمت الحركات الاسلامية نفس الاغطية و الذرائع للانظمة في بلدان اخري من العالم الاسلامي، و ارتد امر الحركات الاسلامية الي مضيق حرج اذ اصبح فكرها و نموذجها للدولة الاسلامية القادمة هو البعبع الذي يروع به الجبابرة شعوبهم، و في غالب الاحوال العامل الاساس الذي يؤمن صمود الشموليات و يسبغ عليها شرعية البقاء في مواجهة تيارات الوعي التغييري و انتفاضات التحول الديمقراطي الذي تتغيّاه القوي السياسية و المدنية الاخري و تتكلف اليه التكاليف الجسام.

غير ان لكل قاعدة استثناء، و الاستثناء الساطع، في واقع الحركات الاسلامية التعيس، هو التجربة الاسلامية التركية، حيث تفلتت بعض التيارات الاسلامية المستنيرة من كيانها الام في العام ٢٠٠١ لتنشئ حزبا ديمقراطيا معتدلا تحت مسمي ” العدالة و التنمية ” استطاع ان يصل الي البرلمان باغلبية ساحقة. وقد نجح هذا الحزب تحت رايات الديمقراطية الحديثة في فتح رؤوس جسور الي اوسع القطاعات الشعبية و تأمين كسب جماهيري غير مسبوق لحزب اسلامي علي المستوي العالمي في زمن قياسي بكل المعايير.  و لا يجادل احد في ان مصداقية اعتناق وولاء هذا الكيان  لمبدأ الديمقراطية  كان بمثابة الاكسير الذي فتح امامه ابوابا استغلقت علي غيره من الحركات الاسلامية عقودا من الزمان. و يجدر بالذكر هنا ان الطبعة الاولي من كتاب ” الدولة الاسلامية: من يحتاجها؟” للافندي كان قد تمت ترجمته الي اللغة التركية عام ١٩٩٤ وجرت حوله حوارات واسعة مكثفة علي مختلف الصُعد الاكاديمية و الصحافية والسياسية و الشعبية في تركيا.

ان الديمقراطية الحديثة في جوهرها عبارة عن خلطة ذكية من الافتراضات الفلسفية و الطروحات الايديولوجية و الحقائق التي تراها العين المجردة، مستصحبةً حزمة من التوقعات والامال الانسانية. ثم انها، مضافا اليها ركام خبراتها علي ارض الواقع العالمي، تلقي ضوءا كثيفا، بحسب الافندي، علي ثلة من الاقضية الجوهرية في مقدمتها الحكم الصالح و النظام الاجتماعي المتوازن والعادل وهي الاقضية التي ارهقت العقل الانساني بعامة و الاسلامي بخاصة عبر القرون ارهاقا لا مزيد عليه. و لكن الافندي ينقل اطروحته في تبسيط شديد من مدارات المثقفين و اصحاب الياقات البيضاء الي رجل الشارع العادي فيقول: (الحقيقة التي لا مرية فيها هي ان الديمقراطيات المستقرة و قد اضطردت مسيرتها الانسانية بثبات وازدهرت لعقود متوالية من الزمان و قدمت لشعوبها ثمرات دانية، لا يمكن تجاهلها و غض الطرف عن نجاحاتها الماثلة للعيان، و العودة الي حبس عقولنا في سجن حوار القرون البئيس حول الخلافة الاسلامية التي فقدت مضمونها و معناها و مغزاها) [ ترجمة غير رسمية ].  ثم يمضي المؤلف قدما فيطمئن قارئه المسلم بأن لا تثريب عليه ان هو آمن بالديمقراطية الحديثة و اتخذها سبيلا و منهاجا، وهو في حرز من اي حرج او وسواس يشغب علي عقله او قلبه فيتوهم انه يحمل علي عاتقه هَم الغوص الي اعماق الطروس و الدروس بحثا عن سند او غطاء من قرآن او سنة او اجماع او قياس.  فلقد حُق له ان يطرح هذا الهم جانبا، ذلك ان المبادئ و المثل العليا التي قامت و استقرت عليها الديمقراطيه الحديثة، وهي العدالة و النصفة و الكرامة والسلوك المستند الي العقل، لا تزيد و لا تنقص عن كونها المبادئ الانسانية التي أقرها الاسلام و جمع عليها ولد آدم.  والاسلام لم يأت بمبادئ و قيم انسانية خاصة به ميز بها المسلمين دون غيرهم كما لم  يسبغ علي المبادئ و القيم الانسانية المستقرة تعريفات وحيثيات و معاني غير التي تواضع عليها بني البشر اجمعين. و لكن الافندي مع ذلك يعمد الي القرآن فيأتي لمن ارتاب في دعوته بهدي من التنزيل المجيد  فيشير الينا ان نتأمل قصة قابيل الذي قتل اخيه هابيل ثم  حار فيما عساه ان يفعل بجثته فبعث الله اليه غرابا يريه كيف يواري سوأة اخيه. فاذا كان الله سبحانه و تعالي قد جعل من مراقبة الانسان لسلوك الطير اداة لتعليمه فانه من الاولي و الاوجب للانسان يقتدي و يهتدي بسلوك اخيه الانسان.

يدرك الدكتور عبدالوهاب الافندي تمام الادراك المصاعب الجمة التي تواجه دعوته لجمهرة المسلمين عامة واهل الحركات الاسلامية خاصة باحتذاء النموذج الديمقراطي الحديث واتخاذه اطارا و منهاجا للدولة، و ابرز تلك المصاعب هي العقلية الاسلامية التقليدية التي تلتمس السند والعضد في كل صغيرة و كبيرة من امور الاسلام و المسلمين في اضابير التاريخ و اقوال الاولين وسيرهم، ولا تري في اي فكرة او عبرة صلاحا او فلاحا الا اذا استبانت ادلتها في كتب الغابرين. و يورد الافندي في شأن هؤلاء رواية من اطرف ما قرأت عن حوار دارت وقائعه بين المفكر الاسلامي الشيخ حسن الترابي و احد علماء الاسلام التقليديين، فضّل الافندي ان يحجب اسمه، فقد اشترك الاثنان في عضوية لجنة لمراجعة القوانين في سبعينات القرن الماضي و كان كلما تقدم الترابي برأي او مقترح او فكرة جديدة هب العالم التقليدي ليطالب الترابي بابراز الدليل علي جواز ما يقول من الكتب و المصادرالاسلامية، و كان الترابي يستجيب في كل مرة بابراز اسم الكتاب والمكان الذي يلتمس فيه، ولكن الترابي فيما يبدو كانت قد بلغت روحه الحلقوم من كثرة مطالبة ذلك العالم له بتحديد الكتب و المراجع القديمة التي تسند اقواله، فلما وصل الترابي الي نقطة معينة و ابدي فيها رأيا فقهيا عاد العالم ليسأله: ما هو المرجع الذي وجدت فيه هذا الكلام؟ فرد الترابي: ( الحقيقة يا مولانا المرجع ده بالذات كان مع الكتب الجدعوها المغول في نهر دجلة ! )ومثل هذا الوسواس القهري الذي ينتج عنه الانشغال المهووس بتراث الاولين و تترسخ معه قناعات البعض بان ما لا تتوفر مادته في كتبهم باطل لا غناء فيه  ظاهرة مرضية حقيقة لا مجازا، بحسب الافندي، تضاهي ذلك النوع من الضعف المركزي في الاداء البشري الذي يطلق عليه الغربيون: الخلل الوظيفي.

و لكن العقبة الكأداء التي تقف في طريق رسالة الافندي الفكرية الي اصحابه و رفقاء دربه القديم في الحركات الاسلامية هي ان دعوته في واقع الامر تهدم من القواعد ذلك البنيان الشاهق الذي شاده، عبر جسور من التضحيات وانهار من الدماء، المنظرون التاريخيون للاسلام السياسي الحركي المنظم من سنخ ابي الاعلي المودودي و سيد قطب و حسن البنا و آية الله الخميني. و هو البنيان الفكري الذي استقامت داخل هياكله و تمحورت حول خصره مجمل مكتسبات الحركات الاسلامية  خطاباً و ضراباً منذ اربعينات القرن المندحر وحتي صباح  يومنا هذا. ذلك ان الفكرة الاساسية في كتاب ( الدولة الاسلامية: من يحتاجها؟) تقوم علي زعم الافندي بان الفكر الاسلامي الحديث و نظرياته الرائجة عند غالب الحركات الاسلامية المعاصرة فكر معطوب عليل القلب من حيث ان الرؤي والتصورات التي يطرحها لما عسي ان تكون عليه صورة الدولة الاسلامية المرتجاه معيبة في مظهرها و مخبرها عيبا خَلقيا يستعصي علي الطبابة. و من الحق ان القادة المؤسسون قد اهدوا الي ذريتهم في شجرة الاسلام الحركي لوحات للدولة الاسلامية القادمة تنضح الوانها قبحا دكتاتوريا فاقعا و تغيب عن قسماتها قيم الحرية والعدالة و سيادة القانون و يجلس علي سدة الحكم فيها خليفة للمسلمين تحتوشه طبقة محصنة من العلماء تندّ عن المحاسبة السياسية و يدور نظامها في مدارات سلطوية مغلقة. و الا فما قولك ايها القارئ الكريم، اصلحك الله، في هذه الفقرة من كتاب لابي الاعلي المودودي الذي تتلمذ علي فكره سيد قطب و غيره من النجوم والمنارات التي اقتدت بأشعة فكرها صفوف متراصة من محدثة الاسلاميين. يقول المودودي وهو يقدم للاجيال الصاعدة تصوره للدولة الاسلامية: ” لا يبدو ان دولة من هذا الطراز تستطيع الحد من مدي توجهاتها اذ ان نظرتها للعالم نظرة شاملة كلية لا تفرط في شئ. انها تسعي لكي تعيد صياغة كل جانب من جوانب الحياة بقواعدها الاخلاقية و ببرنامجها الشامل في مجال الاصلاح الاجتماعي و بهذا الفهم فان ثمة اوجهاً للتشابه بين الدولة الاسلامية و الدولتين الفاشية والشيوعية”. (سيد ابو الاعلي مودودي، القانون الاسلامي و الدستور، لاهور، المطبوعات الاسلامية. ١٩٦٩، ص ١٤٠). و الافندي لا يبخل علي قارئه بثلة غنية من مثيلات هذه المقتطفات التي تطفر من مؤلفات منظري الاسلام السياسي  شهيدة علي فكرالبؤس او بؤس الفكر. وهي ادلة تنطق بلسان وقد بسطها صاحبنا بين يدي استعراض تحليلي متعمق للافكار والمفاهيم السائدة بين الحركات الاسلامية عموما حول مفهوم الدولة و نظامها ووظائفها.

و نلاحظ ان المؤلف، في مقدمته للطبعة الثانية، قد اجري بعض المراجعات لاطروحات الطبعة الاولي. و هي مراجعات حتمتها حصائل الرصد و التأمل الصبور لاحوال المسلمين خلال الحقبة الزمنية الفاصلة بين الطبعتين. والافندي يسمي الاشياء باسمائها فلا يستنكف ان يصارح القارئ بأن الفارق بين الواقع و المثال في حيواة المسلمين خلال العقدين الماضيين قد استفحل واستعظم وبلغ مداه. فلطالما انعقدت الامال علي نهضة الامة الاسلامية المجسدة للمثال الاخلاقي القيادي الرائد الذي يقدم، من داخل مثاله، للعالم اجمع النموذج البديل للحضارات الاخري. و لكن الواقع لا ينضح الا بما فيه ولا يشي الا بما تحته، والبلدان والشعوب الاسلامية ما برحت ان استملكتها القيم المادية واستوطنتها الروح الاستهلاكية حتي كادت تتماهي مع المجتمعات الصناعية الغربية و تبزها. و الفارق الوحيد بين الاثنين هو ان المعدلات الاستهلاكية للمسلمين تزايدت اضعافا مضاعفة دون ان يكون لهم دورٌ يُشهر او سهم يذكر في انتاج ما يستهلكون. و عوضا عن تعزيز الوعي التحرري والاستقلال الاقتصادي والتمايز الثقافي انتهي الحال بالمسلمين الي ان اصبحوا عيالا يتكففون العالم المتقدم. و ينصح الافندي المسلمين بأن يستعصموا بفضيلة التواضع فما اسخف ركونهم، وهم علي ما هم عليه من هوان، الي مزاعم تزعم ان امة الاسلام نور يضئ الي البشرية طريقها او انها بصدد ان تهدي الي شعوب الكون علما و هدي و كتابا منيرا. و الركن الاساس في مراجعات الافندي يتمثل في تخليه عن مفهوم “الدولة الاسلامية” الذي كان قد طرحه ابتداءً واعتماده بدلا عنه مفهوما جديدا يعبر عنه النموذج الذي يُطلق عليه ” دولة للمسلمين”. ولا شك ان مراجعة الافندي هذه تجئ علي خلفية الفشل الساحق في استعادة الخلافة والاخفاق المدوي في اقامة الدولة الاسلامية الحديثة. و نموذجه الجديد (دولة للمسلمين) يعبر، بطبيعة الحال، عن هدف اكثر تواضعا والتحاما بالواقع  وهو العمل علي خلق ” دولة اسلامية قائدة “. والواجب الوظيفي المحوري المأمول من مثل هذه الدولة القائدة هو ان تنهض بدورمشابه للدورالذي تضطلع به الولايات المتحدة ككيان قائد للكتلة الغربية في عالمنا اليوم. والشروط اللازمة  لاستيفاء مؤهلات الدولة القائدة تتمثل في: ديمقراطية فاعلة واقتصاد مستقل قوي و مناخ ثقافي حيوي. و تلك شروط تكاد تشير باصابعها الي دول مثل ماليزيا و تركيا. وفكرة ” الدولة القائدة ” و ان تدنت طموحا، في المدي و العمق و النطاق، عن نموذج ” الاتحاد الاوربي” الا انها تصوب بصرها و تسدد خطاها باتجاه ذلك الهدف في المدي البعيد.

ولم يكن مستغربا لافكارعلي هذه القدر من الجرأة والفرادة ان تثير جدلا واسعا بين المهمومين بقضية الدولة الاسلامية و المنشغلين بالاسلام السياسي اجمالا. و بينما لم تكن للافندي شكوي من قلة المستحسنين والنصراء ممن وافوا طروحاته بعين الرضا، فإنه لم يعدم قط الشانئين و المستنكرين ممن ابدت لهم عين السخط  مطاعن شتي فسلقوه بالسنة حداد.  وكان من ارفق المتداخلين و اكثرهم تنويها واحتفاءً بكتاب (الدولة الاسلامية: من يحتاجها؟) الدكتور عاصم صديقي الذي نشرت له صحيفة ” الغارديان ” البريطانية في ٢٧ فبراير ٢٠٠٨ مقالا آزر فيه الافندي بذخيرة اضافية عززت مدفعيته التي دكت معاقل منظري الحركات الاسلامية الحديثة دكا. و قد اشار صديقي، ضمن ما اشار اليه، الي فتوي صادرة من آية الله الخميني عام ١٩٨٨ يقرر بمقتضاها انه يجوز للقائد الاعلي في الجمهورية الاسلامية ان يوقف العمل بأي نص من نصوص الاسلام او جانب من جوانبه بما في ذلك اركان الاسلام الاساسية وانتهاج سياسات علمانية مناقضة لاحكام الاسلام اذا ما استلزمت ذلك مصلحة الحكومة الاسلامية العليا. و تساءل صديقي عن جدوي التضحيات الكبار والدماء المنسكبة انهارا في سبيل اقامة الدولة الاسلامية اذا كان بوسع الحاكم تعطيل الاسلام و احكامه بقرار فردي وفق تقديره وهواه. ثم خلص الي التأمين علي ان حكم الفرد وطائفة العلماء لا يمثل الاسلام الحق و لا يمت اليه بنسب وانما يعبد الطرق لانظمة التغلّب و القهر والاستغلال. بيد انه ليس بوسعنا الاستهانة بالنصال الناقدة والطاعنة التي وُجهت للافندي، مغلّفة و مغلظة، ومن جملتها التهمة الشنعاء بأنه وقع في محظورالفتنة بالمجتمع الغربي الرأسمالي وحضاراته ومداراته ومنتجاته الديمقراطية الليبرالية، و فقدانه بوصلة اليقين المسلم في مبدأ  قيومية الاسلام و علويته عقيدة و نظاما، و انه فاته بان الحرية في الاسلام ليست مطلقة بل مقيدة بقيد الشريعة و اطارها واغراضها، ثم الاتهام بالتعسف في تحليله و تقويمه لدولة الاسلام الاولي في المدينة و ما تلاها من خلافة راشدة و تخطي بعض الثوابت من التاريخ الاسلامي، ثم تعثره في تقديم الادلة الكافية من المصادر الاسلامية الصحيحة لبعض النتائج التي توصل اليها.

و قد عمد الافندي الي تلك النصال التي تكسرت فوق صدره فردها الي مَردّها، نصلا نصلا، حفيا مترفقا ملتمسا من اهلها رحابة الصدر وسعة الافق. يقول الافندي، في مقام التعقيب، انه ليس ثمة خلاف علي ان الدولة الاسلامية لا تستحق ذلك الاسم ما لم تحكمها الشريعة الغراء ولكن السؤال الحقيقي هو: كيف تدار تلك الدولة تحت حكم الشريعة و في اطار نظامها؟ والمحور الاساس عند المؤلف هو ان الدولة ينبغي ان تبني علي التزام طوعي باحكام الشريعة من قِبل مواطنيها، وانه في حالة عدم توفر القناعة الحرة لدي غالبية المجتمع بذلك وتطبيق احكام الشريعة عليهم بقوة الجبر والالزام فان ذلك المجتمع لا يكون في واقع الامر مجتمعا اسلاميا بقدر ما يكون مجتمعا سياسيا منقسما الي جماعتين: جماعة متسلطة (الحكام وازلامهم) و جماعة من المنافقين (غالبية افراد المجتمع)! و في مواجهة الزعم بأن الشريعة تلزم الحاكمين بانفاذ القيم و المبادئ الاسلامية – و من ضمنها الجهاد – بقوة السلطان، وان مجتمع المدينة الذي اسسه الرسول الكريم لم يكن مجتمعا طوعيا بل دولة كاملة حمل النبي اهلها علي الحق حملا و الزمهم بمقتضياتها الزاما، يصر الافندي علي ان النظام السياسي الذي انشأه النبي كان مبنيا علي الاختيار الطوعي من بدايته الي نهايته، و ان اهل المدينة الذين دعوا النبي اليهم دخلوا في طاعته حبا و اختيارا وان دستور المدينة (الصحيفة) انما أسس في واقع الامر نظاما كاملا قائما علي المشاركة الطوعية؛ فالرسول (ص) انتدب المسلمين للجهاد انتدابا ولم يلزم به احدا و عندما تقاعس ثلاثة من اهل المدينة من المسلمين عن اللحاق بغزوة تبوك لم تفرض دولة الاسلام الاولي عليهم اي نوع من العقاب بخلاف العزل المعنوي من قبل اخوانهم المسلمين. كما ان دولة المدينة اعتمدت علي جمع الزكاة طوعا من المسلمين فلم يحصلها النبي اجبارا من احد، بل ان القرآن نفسه نهي عن جمع الزكاة من اولئك الذين لم تطب بها نفوسهم من المسلمين الذين وصفهم الكتاب بالمنافقين. وحول التغريب والافتتان بالليبرالية الغربية يعبر المؤلف عن قناعته بان المسلم الصحيح لا يتردد في التملي والنظر في ركام التجارب البشرية فهو احق الناس بالحكمة اني وجدها، و لكن تقدير الاصابة و الخطأ في التقويم النهائي هوالالتزام  بثوابت الاسلام و صحيح مبادئه. وتجارب الانسانية و خبراتها لا يتبناها المسلم او يردها بمعيار مصادرها الجغرافية والتاريخية و انما بمقياس موافقتها او معارضتها لاصول الاسلام. و يدعو المؤلف منتقديه الي التأمل في حقيقة لا محيص عنها وهي ان الدولة الديمقراطية الحديثة كاطار للعمل السياسي تظل هي الاسمي والافضل مقارنه بكل مراحل الحكم الاسلامي باستثناء الخلافة الراشدة. وان اي اطار سياسي يشتمل علي كيانات مؤسسية و ضوابط اخلاقية و قانونية تحرس الحقوق الاساسية و الحريات يكاد في واقع الامر يقترب من نموذج الخلافة الراشدة بأكثر مما تقترب منه نماذج يزيد ابن معاوية و الحجاج ابن يوسف التي ازهقت ارواح مئات الالاف من المسلمين بإشارات الاصابع و تهويمات المزاج.

و لكأن الافندي يحس الحالة النفسية لكثير من الاسلاميين ممن نشأوا في طاعة الحركات الاسلامية و رضعوا من حليب قادتها المؤسسين حتي استقوت عظامهم، وهو يأتيهم بما يقدح في مقام تلك الرموز الحية التي عرفوها اقمارا ساطعة و منارات للهداية، فيبعثر بضاعتهم  في عرض الطريق و ينزع عن فكرهم  صلاحه وعن حكمتهم سدادها، و تصاويرهم ما تزال شاخصة في اللوحات المطرزة علي الجدران لمّا ترثّ بعد، ثم وهو يدعوهم الي الاقتداء بمثال الديمقراطية الليبرالية الغربية الحديثة و لم يكونوا قد عرفوا عنها من اقمارهم ومناراتهم الا انها شرٌ كلها لا ترِد وارديها الا دارالبوار. و يخاطب الافندي قارئه، حتي لا اقول صحبته ورفقاء دربه في مسيرة الجهاد الحركي السياسي المنظم، قائلا ان الليبرالية الغربية – مهما يكن من امر- ليست اجلّ ولا اعلي كعبا من الاسلام ولا ينبغي لها، ولا يصف الحقيقة في شئ من يزعم ذلك. انما الذي يصف الحقيقة و يوافيها هو القول بان المسلمين هم الذين تقاصرت قاماتهم عن الارتفاع الي قيم الاسلام ومبادئه و مثله العليا.  و يضيف بان اسلافنا ربما كان لهم في امسهم الغابر، العذر – كل العذر – تجاه عجزهم و ضعف كسبهم في الوصول الي صورة نابضة للدولة الاسلامية الفاعلة ومؤسسات الحكم الصالح. غير انه لا عذر لنا – في حاضرنا الماثل- ان نحن تقاعسنا او ترددنا في التصدي لهذا الدور والنهضة بهذا الواجب خدمة لشعوبنا و نصرة للاسلام  و تأدية لما فرضه الله علينا من واجب النصيحة.

Advertisements

One Response

  1. Brother Mustafa is still living in the utopia of the ‘Islamic State’ dogma which once rules the emotion and the hearts of Islamic revivalists around the globe.

    But the reality has changed. The failure of the revivalists to understand and to move according to the change will only lead them to the simmiliar fate akin to the ‘living dead’ communist ideology.

    What Turkey and Indonesia have proven are worth to be studied. The deep understanding of the Maqasid is what the revivalists need in the dawn of the new milleneum.

    Wallahua’lam.

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s

%d bloggers like this: